ابن قيم الجوزية

680

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

أو يكون مراده باسترداد الضائع ، واستدراك الفائت : نوعي التفريط في الأمر والنهي . فيسترد ضائع هذا بقضائه وفعل أمثاله . ويستدرك فائت هذا - أي سالفه - بالتوبة والندم . وأما « تدارك قواه » فهو أن يتدارك قوته ببذلها في الطاعة قبل أن تتبدل بالضعف . فهو يغار عليها : أن تذهب في غير طاعة اللّه . ويتدارك قوى العمل الذي لحقه الفتور عنه ، بأن يكسوه قوة ونشاطا ، غيرة له وعليه . فهذه غيرة العباد على الأعمال . واللّه أعلم . قال « الدرجة الثانية : غيرة المريد . وهي غيرة على وقت فات . وهي غيرة قاتلة . فإن الوقت وحيّ التقضّي . أبيّ الجانب ، بطيّ الرجوع » . و « المريدون » هم أرباب الأحوال ، و « العبّاد » أرباب الأوراد والعبادات . وكل مريد عابد . وكل عابد مريد . لكن القوم خصوا أهل المحبة وأذواق حقائق الإيمان باسم « المريد » وخصوا أصحاب العمل المجرد باسم « العابد » وكل مريد لا يكون عابدا فزنديق ، وكل عابد لا يكون مريدا فمراء . و « الوقت » عند العابد : هو وقت العبادة والأوراد . وعند المريد : هو وقت الإقبال على اللّه ، والجمعية عليه ، والعكوف عليه بالقلب كله . و « الوقت » أعز شيء عليه ، يغار عليه أن ينقضي بدون ذلك . فإذا فاته الوقت لا يمكنه استدراكه البتة . لأن الوقت الثاني قد استحق واجبه الخاص ، فإذا فاته وقت فلا سبيل له إلى تداركه . كما في « المسند » مرفوعا : « من أفطر يوما من رمضان ، متعمدا من غير عذر : لم يقضه عنه صيام الدهر ، وإن صامه » . وقوله : « وهي غيرة قاتلة » يعني : مضرة ضررا شديدا بينا يشبه القتل ، لأن حسرة الفوت قاتلة . ولا سيما إذا علم المتحسر : أنه لا سبيل له إلى الاستدراك . وأيضا فالغيرة على التفويت تفويت آخر ، كما يقال : الاشتغال بالندم على الوقت الفائت تضييع للوقت الحاضر . ولذلك يقال : الوقت سيف إن لم تقطعه ، وإلا قطعك . ثم بين الشيخ السبب في كون هذه الغيرة قاتلة . فقال : « فإن الوقت وحيّ التقضي » أي سريع الانقضاء ، كما تقول العرب « الوحا الوحا ، العجل العجل » والوحي الإعلام في خفاء وسرعة . ويقال : جاء فلان وحيّا أي مجيئا سريعا . فالوقت منقض بذاته ، منصرم بنفسه . فمن غفل عن نفسه تصرمت أوقاته ، وعظم فواته . واشتدت حسراته . فكيف حاله إذا علم عند تحقق الفوت مقدار ما أضاع . وطلب الرّجعى فحيل بينه وبين الاسترجاع . وطلب تناول الفائت . وكيف يرد الأمس في اليوم الجديد ؟ وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ [ سبإ : 52 ] ومنع مما يحبه ويرتضيه ، وعلم أن ما اقتناه ليس مما ينبغي للعاقل أن يقتنيه ، وحيل بينه وبين ما يشتهيه : فيا حسرات ، ما إلى ردّ مثلها * سبيل . ولو ردّت لهان التحسر هي الشهوات اللاء كانت تحولت * إلى حسرات حين عزّ التصبر فلو أنها ردّت بصبر وقوة * تحوّلن لذّات . وذو اللب يبصر